قد نسمع ثقبًا أسودَ - رولا عبيد

 هل يُنعت مجنونًا من يخبر أحدًا أن ليس الأصوات فقط مايمكن أن نسمعها؟!!..

هل نستطيع أن نسمع ظلامًا؟!!

هل يمكن مثلًا أن نستمع إلى ما هو غامض غير محسوس ولا نعرف أن نراه أو نكتشفه فنسمعه؟؟

فربما قد نسمع مامن شأنه أن يُرى أو يُحس؟!!

قبل أن يجن جنونك عزيزي القارئ سأخبرك..

أن موجات الجاذبية( gravitational waves) ماتفعل..

العالم الكبير (أينشتاين) وضع لنا سنة 1916 نظرياته الشهيرة والتي تُدعى (النسبية العامة) والتي كانت بمثابة شن حروبٍ على نيوتن ونظرايته في وصف ماهية الجاذبية..

حيث ذهب أينشتاين إلى وصف الجاذبية بأنها ليست (قوة) كما يثبت نيوتن بل إنها مجرد انحناءة كبيرة في نسيج الكون والذي يُسمّى (الزمكان)..

فلتتخيل معي ياقارئي....

أننا أمام أحد عروض البهلوانات وسنجد أحدهم يستخدم نسيجًا مشدودًا على إطار حديدي ويقفز عليه ثم يرتد مرة أخرى ذلك هو (الترامبولين)..

هنا وصف لنا (أينشتاين).. أن الجاذبية كأن تضع كرة بولينغ كبيرة الكتلة فوق ذلك الترامبولين.. حتمًا حتمًا ستجد انحناءة للأسفل وكأن الترامبولين يسأل الله أن يخلصه من ثقل الحمل..

والآن بعد أن وضعت كرة البولينغ الثقيلة فلتضع كرة تنس فوق الترامبولين ..من المؤكد أنك ستجد كرة التنس تسير في الانحناءات التي رسمتها سابقًا كرة البولينغ الثقيلة..

ولنفترض أننا نجعل كرة التنس تدور بقوة ما على سطح الترامبولين..سنرى كيف أن كرة التنس تدور في الانحناءات وكأنها مجذوبة بقوة وهمية حول مركز الانحناءة والتي رسمتها كرة البولينغ..


لم أسهب وأبتعد عن إجابة السؤال الغامض في مبتهل مقالي..

فلا تضيق بي ذرعًا عزيزي القارئ ودعني أسافر بك بعيدًا في نسيج الزمكان وأخبرك بموضع انحناءة أخرى ولكنها هذه المرة تمثل كوارث حقيقية غير تلك التي تنتج عنها قوى الجاذبية!!..

إنها مواضع (الثقوب السوداء)...

حيث التشوه في الزمكان والتي تنتج من تركز كتلة هائلة علي منطقة ما صغيرة من الزمكان والتي تتعدى كونها كرة بولينغ ثقيلة فوق سطح الترامبولين!!..

سأخبرك فقط أن الثقوب السوداء لها جاذبية أقوى من أن ينفذ منها مسار ضوءٍ دون أن تجذبه..

وسأحيطك علمًا بأن الزمن نفسه يجن جنونه عند الإقتراب من دائرة الثقب الأسود فيصبح أبطأ وربما يصل لأن يتوقف تمامًا!!

ويصبح الوقت عنده ضربًا من ضروب الخيال واللاتصديق!..

لن أضيع لك وقتًا ياقارئي العزيز فأخبرك أن الثقب الأسود ماهو إلا نتاج إنهيار النجوم والكواكب وأنه ليس مظلمًا بالفطرة بل عدم قدرة الضوء على نفاذه يجعلنا نراه مظلمًا!!..


والآن دعنا من ذلك كله ولنتحدث قليلًا عن موجات الجاذبية(gravitational waves)..والتي نحن بصدد كتابة سطور ذلك المقال المُسهَب..


دعني أجعلك تحمل عصًا خشبية وأطلب منك أن تلفّها في دوائر فوق سطح ماء راكد..ماذا تلاحظ؟!

حتما سترسم فوق صفحة الماء دوائر كثيرة حول دوران عصاك الخشبية..

هكذا تكون موجات الجاذبية في صفحة الزمكان عند دوران ثقبين أسودين حول بعضهم البعض...

وهذا ما إكتشفه العالم (أينشتاين).. في سلسلة نظرياته وأبحاثه دون أن يقدم لنا دليلًا واحدًا يجعلنا نتأكد أيما تأكد من وجود تلك الموجات..حيث أنه أثبتها لنا رياضيًّا فقط دون أن يراها.

ولأن تلك الموجات ليست كأي موجات لا تتكون مثلًا من قوى كهرومغناطيسية..ليست موجات ضوءٍ تعتمد على فوتونات لتخلقها..ليست أشعة إكس مثلا..

بل إنها لا تتكون من أي شئ مادي نعرفه!!..

وبذلك ظلت موجات الجاذبية للعلماء لغزًا محيرًا أصعب من ألغاز المحقق كونان والمفتش كرومبو..


كان اللغز فكان معه عصر الظلام والجهل لكن كفجر يشق ليل طويل ؛ انبثقت أشعة النور والمعرفة ؛ لتبدأ قصتنا من عام 2015 حيث حدث طفرة علمية لا سابقة لها...

حيث حدث ماكان كافٍ لأن يخلق لنا عصرًا جديدًا لم نشهده من قبل...

حيث نستطيع أن نسمع مالم نستطع أن نراه!!!!....


إنه مشروع LIGO العظيم حيث يحمل اختصارًا ل 

(laser Interferometer Gravitational wave Observatory)...


ببساطة شديدة ودون غوصٍ في تفاصيلٍ درءًا لمَلَلِك عزيزي القارئ..

سأرسم لك صورة ذهنية طفيفة تجعلك تتخيل مدى عظمة الجهاز الذي صُمّم منذ أربعين عامًا لكن فَسح له مجالًا للتوفيق والنجاح في عام 2015..


هذا الجهاز مُصمّم من مرصدين طويلين للغاية كل مرصد يبعد عن أخيه بمسافة تقدّر ب 3000 كيلومترات...

 كل مرصد مُصمّم على شكل حرف L وفي نهايته يوجد مرآة معزولة تماما عن كل شئ يمكن أن يُنقص من معيار الدقة كالغبار..الموجات..الحرارة..وإلخ.

في منتصف المسافة بين المرصدين _حيث مركز الجهاز _يوجد مرآة تقسيمية يسقط عليها بزاويةِ ما شعاع ليزر فتجعله المرآة ينقسم لشعاعين بفعل انعكاس الضوء..وكل شعاع يسلك مرصد من المرصدين حتى يصطدم في نهاية الطريق بالمرآة في نهاية المرصد ؛ فينعكس مرة أخرى للمنتصف؛ ملتقيًا مع الشعاع الآخر الناشئ من المرصد الآخر...

ولأن المرصدين يحملان نفس قياسات الطول فلا شك أن الشعاعين الناشئين منهما يحملان نفس القياسات التي تجعلهم يلاشُوا بعضهم البعض عند اصطدامهم في المنتصف.


والآن ألتمس منك أن تفسح مجالًا لفهمك العميق وخيالك الخصب هنا عزيزي القارئ..

ولتتخيل معي أن هذا الجهاز قد التقط موجات جاذبية(gravitational waves)..ناتجة من دوران ثقبين أسودين من مليارات السنين ...

وأن تلك الموجات تمكنت من إزاحة إحدى مرايات المرصدين بمسافة تقدّر بأقل من عشرات المرات من قطر البروتون !!..

فكانت تلك الإزاحة الضئيلة جدًا كافية لأن يتفوق شعاع مرصدٍ ما على شعاع المرصد الآخر فلا يتلاشيان..

وحينها يسجل الجهاز نبضة أو ومضة ضوء خفيفة والتي تشير لالتقاط موجات جاذبية (gravitational waves)..

وبقياسات معقدة ورياضيات حديثة يتم تحويل تلك الومضة لصوت مسموع!!!

صوت يشبه (القرمشة)..أو (التغريدة)...

وهذا هو صوت موجات الجاذبية الناتجة من دوران ثقبيين أسودين حول بعضهم البعض يعود زمنهم لمليارات السنين ويستوطنون مجرة تبعد مجرتنا ملايين السنين الضوئية..

ومن هنا كان يوم 14/9/2015 كأكبر حدث يُنبؤنا بأننا نستطيع أن نسمع مالانراه..

أن نسمع الثقوب السوداء..موجات الجاذبية.. 

أن نسمع صوت الفضاء!!.

Post a Comment

أحدث أقدم